القاضي الأمريكي فرانك كابريو في حوار خاص للنيل اليوم : أواجه صعوبة في مسامحة نفسي بأول قضية حكمت بها

 القاضي الأمريكي فرانك كابريو في حوار خاص للنيل اليوم : أواجه صعوبة في مسامحة نفسي بأول قضية حكمت بها


حوار / مؤمن فودة


 فرانك كابريو من مواليد ٢٣ نوفمبر ١٩٣٦ هو رئيس القضاة سابقًا في بروفيدنس برود آيلاند والرئيس السابق لمجلس محافظي رود آيلاند. 

حقّقَ كابريو شهرة محليّة وعالميّة بفضلِ ظهوره في برنامج تلفزيوني بعنوان "اعتُقِلَ فِي بُروفِيدَنْسْ"، وهو البرنامج الذي حقّق نسب مشاهدة عاليّة، اتسم بالرحمة خلال فترة عمله، اعتاد على إصدار أحكام مخففة على المخالفين لقوانين المرور بشكل خاص، أو الخروج من القاعة دون أن دفع شيئًا لأن القاضي تفهم ظروفهم الخاصة فأعفاهم من العقوبة، ما جعل الجمهور يمنحه لقب "قاضي الانسانية"*.. 

*وإليكم نص الحوار*.. 


 كيف تفسر تفاعل الناس مع محاكماتك؟ وهل كنت تتوقع أن يكون لك هذا التأثير الكبير في كل أنحاء العالم؟

في البداية، أود أن أقول إن الطريقة التي أحكم وأتعامل بها مع الناس وتفاعل بها عدد كبير من الأشخاص تعود إلى ما تربيت عليه، فأنا كبرت وترعرعت في بيت به الكثير من الحب والدفء، وبفضل تربيتي وعدت نفسي أن أعامل الناس بكل احترام وكرامة وعدل، فالأشياء البسيطة التي يغفل الناس عنها هي مجرد مساعدة أي شخص يحتاج إلى عون، فنحن جميعا نحتاج إلى أن نخرج من الروتين اليومي الذي أشبه بدوامة حياة يومية مرهقة، ونساعد الأشخاص ونشكرهم، الأمر الذي أدى إلى تأثر الناس بمحاكماتي وبالتالي تفاعل عدد كبير من جميع أنحاء العالم، فهي ليست مسألة رياضية معقدة ولكن هي أمر بسيط يتلخص في مساعدة الأشخاص والوقوف بجانبهم وهذا ما قمت به. 


 لكونك اشتهرت بلقب "قاضي الإنسانية" يتساءل الكثير من الأشخاص كيف تقوم بذلك الأمر دون أن تنتهك القواعد وتتعدى على القانون؟

هناك بعض المبادئ لا تشكل ظروفا استثنائية، فالجميع يستحق أن يحظى بفرصة الدفاع عن نفسه وأن يستحق هذه المعاملة، بالإضافة إلى أن ظروف كل إنسان مختلفة عن الأخر، ولسوء الحظ هناك أشخاص يمثلون أمامي في المحكمة ومعهم أطفالهم، ومكان مثل قاعة المحكمة يمثل رهبة وخوفًا لأطفالهم، فهل يمكن أن تتخيل الوضع؟ إذا كان القاضي صارمًا ويؤنب الآباء ويتعامل معهم بلؤم، فبالتالي هذا التأثير يعود بالسلب على الأطفال ويستمر معهم مدى الحياة، لذلك أحيانًا أستعين بالأطفال ليساعدوني على اتخاذ قراري بشأن الغرامة لآبائهم وكنوع من التخفيف من التوتر والخوف الذي يصاحبهم منذ دخولهم لقاعة المحكمة، فالطريقة التي يعامل بها الأشخاص في القاعة إذا لم تكن مناسبة فذلك يؤثر على بقية حياتهم، وعلى الرغم الرغم من أن القانون هو القانون ولكن سلطتي ومكاني كقاضٍ تمكنني من تغيير ذلك، إما المعافاة من الغرامة أو تخفيضها دون التعدي على القواعد فالنظام القضائي في الولايات المتحدة يمنحني هذه المساحة، فأنا أحكم بمسائل مدنية وليست جنائية لأن هؤلاء الأشخاص ذوو نيات حسنة يحاولون إعالة أسرهم، لذا؛ أرى أنه من واجبنا كبشر أن نتصرف بلطف مع بعضنا البعض.


 ما القضية التي أثرت بك وأصبحت محفورة في ذاكرتك؟

في الحقيقة أنا حكمت في مئات القضايا والتقيت بشخصيات من جنسيات أخرى واستمعت للعديد من القصص، ولكن القصة التي تلازم ذهني، هي لرجل يبلغ من العمر ٩٦ عامًا قام بالمثول أمامي في المحكمة، وكانت تهمته السرعة الزائدة في قيادة السيارة، وأخبرني بأنه لا يسرع ويحرص كثيرًا على القيادة بتأن ولكن كنت ذاهبًا مع ابني المريض بالسرطان إلى الطبيب لتلقي العلاج، وسألته كمْ عمر ابنك؟، وأجابني أن ابنه عمره ٦٣ عامًا واسمه "فيكتور كويلا"، بعدها قلت له بأنني سأدعي لابنه بالشفاء وأنهيت الجلسة، لكن فيكتور لمسني وجدانيا وبقيت على اتصال معه حتى أنني شاركت في احتفاله بعيد ميلاده المائة ودعوته للعشاء بمنزلي، تلك كانت قصة مؤثرة بالنسبة لي وكان رجلًا عظيمًا ورائعًا بالنسبة لسنه. 


 ما أول قضية حكمت بها كقاضٍ جديد؟ وما هو شعورك بعدها؟

دعني أخبرك وبكل صدق أنا لا أسامح نفسي في تلك القضية، لأنني كنت قاضيًا جديدًا، وإذا كنت سأرتكب خطأ لن أرتكبه ضد الفرد لأن هناك تفاوتًا كبيرًا بين قوة السلطة وقوة الفرد، ولذلك لقد كان والدي حاضرًا معي في أول قضية ج٠حكمت بها، وكان منزعجًا جدًا، لأني لم أخذ في الحسبان ظروف السيدة التي حكمت عليها بالغرامة، فكيف ستنفق على أولادها؟، وكيف ستنقل أولادها من وإلى المدرسة بعد سحب السيارة منها؟، فأخذ يلومني وقال لي بأني هددت استقرار عائلة بأكملها، فلا يمكن أن أغفل أشياء كهذه فنحن لا نعيش بهذه الطريقة، فليس هذا ما علمته لك، هذا ليس ما عرفته لك، فكان ذلك بمثابة الحدث الذي غير حياتي، وحتى وقتنا هذا لا تزال هذه القضية تزعجني، لأني أواجه صعوبة في مسامحة نفسي، وما زلت أفكر بها.


 وبنهاية اللقاء ، وبعد كل هذه السنوات التي قضيتها في القضاء ومن ثم إصابتك بمرض سرطان البنكرياس وانتصارك عليه ، ما الرسالة التي تود أن تقولها للأشخاص في كل أنحاء العالم؟

الحقيقة أنه وبعد ٤٠ عامًا قضيتها في القضاء وبعدها اعتزلت في يناير ٢٠٢٣ وبعد ٣ أيام من احتفالي بعيد ميلادي الـ ٨٧ شعرت بأنني لم أكن على ما يرام وأجريت فحصًا طبيًا وكان التقرير النهائي ليس جيدًا لأنه يخبرني بأنني مصاب بسرطان البنكرياس، وبعد ٧ أشهر قضيتها في العلاج انتصرت عليه، لذلك أود أن أقول لكل شخص أن يستمتع بكل لحظة في حياته، وأن يكون لطيفًا مع غيره ويساعد الناس، لأنك لا تعلم ما الذي تحمله الحياة لك .

أحدث أقدم